ابن كثير

80

البداية والنهاية

أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه ؟ فقالوا ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة . فقالوا : أنت يا أبا الوليد ، فأتاه عتبة فقال : يا محمد أنت خير أم عبد الله فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا والله ما رأينا سخلة ( 1 ) قط أشأم على قومه منك فرقت جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعبت ديننا ، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا ، وأن في قريش كاهنا . والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى : أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا ، وإن كان إنما بك الباه فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فرغت ؟ " قال نعم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ) إلى أن بلغ : " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) [ فصلت : 2 - 3 ] . فقال عتبة : حسبك ما عندك غير هذا ؟ قال لا ، فرجع إلى قريش فقالوا ما وراءك ؟ قال : ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته . قالوا : فهل أجابك ؟ فقال نعم ! ثم قال لا والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود . قالوا : ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال ؟ قال : لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة . وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم عن الأصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن فضيل عن الأجلح به . وفيه كلام ، وزاد : وإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسا ما بقيت وعنده أنه لما قال : ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) أمسك عتبة ( 2 ) على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه ، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم . فقال أبو جهل : والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه ، وما ذاك إلا من حاجة أصابته ، انطلقوا بنا إليه فأتوه . فقال أبو جهل : والله يا عتبة ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره ، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد . فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمدا أبدا . وقال : لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ، ولكني أتيته - وقص عليهم القصة - فأجابني بشئ والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة ، قرأ : ( بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) حتى بلغ : ( فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) فأمسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ، فخفت أن

--> ( 1 ) السخلة : تطلق على الذكر والأنثى من أولاد الضأن . ( 2 ) في نسخ البداية المطبوعة : عقبة وهو تحريف .